مناقشة مقال (بطلان مقولة الأنساب ظنية)

بسم الله الرحمن الرحيم

اطلعت عل مقال بعنوان (بطلان مقولة الأنساب ظنية) فصدمت حينما رأيت العنوان وقلت في نفسي : هل يقول بهذا القول أحد في هذا الزمان ؟!!

خاصة بعد استقرار العلوم الشرعية وآلتها وتحقيق المخطوطات وطباعتها وكذلك انتشار المعلومات كالسيل بين أيدي الناس .

ثم بدا لي زعم ، فقلت : لعل الكاتب أراد تشويق القراء لمقالته كعادة كتاب اليوم في عناوين كتبهم ومقالاتهم ، ولكن حينما قرأت المقال وجدت كاتبه في واد وعنوانه في واد آخر !!

ومعاذ الله أن أقول هذا تهكما به ولكنها الحقيقة والتي سنبينها هنا إن شاء الله تعالى ، وكذلك لن نتوسع في مناقشة مقاله لأنه جزاه الله خيرا ينقض نفسه بما خطت يداه .

يقول الكاتب : هذه المقولة (الأنساب ظنية) يرددها العوام وبعض المنتسبين للعلم !

قلت : رحمك الله وما أدرى العوام بهذه المقولة وما أعلمهم بهذه المصطلحات والتي لم يدرك كنهها كثير من المتصدرين للكتابة اليوم !

بل إن بعضهم زعم أنه يردها وإذا به لم يفهم فحواها !

وأما المنتسبون للعلم فلا ينبغي لأخي الكاتب أن يحط من قدرهم لمجرد اختلافهم معه في الرأي وقد قال إمامنا الشافعي رحمه الله : قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب .

ثم قال : وهي مقولة لم يعرفها السلف من أئمة الحديث والنسب قديما .

قلت : بل قولك الذي لم يعرفه السلف ، وكان ينبغي عليك أن تستدل لقولك من كلامهم لا أن توهم القراء بأنك استقريت كلامهم وأحطت به ، ثم نسأل أخي الكاتب :

هل عرف السلف رحمهم الله مصطلحات الرواية وقواعد أصول الفقه التي تُدرّس اليوم ؟!!

أم أنها نشأت في عهدهم ثم تطورت شيئا فشيئا حتى نضجت واستقرت وأصبحت فنا مستقلا يُدرّس لطلاب العلم كلا بحسبه ، واعلم أننا لو أخذنا بقولك هنا لتعطلت جميع علوم الآلة التي يُفهم بها الوحي فانظر رحمك الله إلى خطل هذا القول !

ثم قال : لا سيما أنها مقولة تفتح الباب للتشكيك في أنساب العرب الصريحة وتطيح بنسب من يرددها ويشيعها من حيث لا يدري .

قلت : هذا الباب الذي زعم الكاتب أنه سيُفتح بهذا القول يُسمى عند الفقهاء والأصوليين (دليل سد الذرائع) وهو من الأدلة الظنية القائمة على الاحتمالات الراجحة ، فكيف تمنع أمرا وتبطله ثم تستدل على المنع به ؟!!

أليس هذا تحكما !!

وأعلم رحمك الله أن سد الذرائع على نوعين :

1- ذرائع محرمة بأصلها فهذه لا نناقشها وهي غير مطروحة هنا .

2- ذرائع مباحة وجائزة في أصلها ولكن تُمنع لما تؤول إليه . (الوجيز 195)

فها أنت أخي تقر وتعترف بأن مقولة (الأنساب ظنية) جائزة في أصلها ولكن تمنع منها لما ترجح لديك من احتمالات تؤول إليها وهي : التشكيك في أنساب العرب الصريحة ، ونحن هنا لسنا بصدد تفنيد تلك الاحتمالات الموهمة ولكن نقرر اعترافك بصحة هذه المقولة من كلامك كما ذكرنا أول المقال . فإن انتفت تلك الاحتمالات وترجحت المصلحة بناء على قولك فالأصل بقاء ما كان على ما كان !!

ثم قال : ومن يروج لهذه العبارة (الأنساب ظنية) ويعارك عليها نقول له : هل نسبك ظني ، وغير ثابت قطعا ؟!!

قلت : وهنا التبس على أخي الكاتب الأمر فخلط بين أدلة الأنساب وكونها ظنية وبين مدلولها على النسب ، فالقول بأن الأنساب ظنية لا يعني أن النسب لا يثبت بهذا الدليل وهو أمر يعرفه صغار طلبة العلم من مثلي فكيف بك وأنت يلقبونك بالنسابة !!

يقول الشيخ بن عثيمين رحمه الله : الأخبار نوعان

1- متواترة : تفيد العلم (أي القطع)

2- آحاد : تفيد الظن (أي غلبة الظن أو الراجح)

وهو أقسام (مشهور ومستفيض / وعزيز / وغريب) بتصرف من شرح البيقونية

وجميع الأخبار التي ثبتت بها الأنساب لا تخرج عن كونها آحادا تفيد الظن الراجح عدا نسب النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت بالإجماع والتواتر وكلا الدليلين يفيد القطع .

ثم قال : لا أعلم عن ردة فعله وتعصبه لنسبه كيف يكون ؟!! نعم سوف يقول نسبي ثابت قطعا فلماذا تروج لهذه العبارة ولا تطبقها على نفسك .

قلت : الكاتب هنا يرد على أحد الكتاب وهو أمر لا يعنينا بشئ ولا حاجة لنا به .

وقال : ومن يردد هذه العبارة لا يطبقها على نسبه أبدا لأنه من المحال أن يطرح نسبه في دائرة الشك أو الظن المرجوح .

قلت : وهنا يظهر بجلاء اللبس الذي وقع فيه الكاتب كما أشرنا سابقا في أول المقال ، فهو يخلط بين ظنية ثبوت أدلة النسب وبين مدلولها عليه .

وقال : وإذا كان الظن مرجوحا كان وهما وتخمينا .

قلت : هذا صحيح ولكن ماذا لو كان الظن راجحا فماذا تسميه ؟!!

وقال : ولا يقصدون بالظن المفيد للعلم واليقين والذي ذكره الله عز وجل في وصف المؤمنين قائلا (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) .

قلت : الظن في القرآن له عدة معان منها (اليقين) كما ذكر الكاتب ولكن نحن نناقش معنى الظن عند الأصوليين والذي يبحث في حجية الأدلة وقوتها وهو عندهم معناه قريب من اليقين وسيأتي مزيد إيضاح في آخر المقال .

وقال : وأصحاب هذه العبارة (الأنساب ظنية) لا يقصدون هذا المعنى لأنهم إذا قصدوا هذا المعنى فلا حاجة لهذه العبارة الماسخة أصلا وإنما أرادوا الظن المذموم وهو التردد في النسب .

قلت : هداك الله يا أخي فلا يعلم بنوايا العباد إلا خالقهم ، واعلم أن من قال بأن الأنساب ظنية وأراد بذلك القول الظن المذموم كما تقول أو الظن المرجوح كما نقرر فهو من أجهل الخلق فلا حاجة للرد عليه أصلا ! ، ولكن كما ذكرنا آنفا أن الكاتب التبس عليه فخلط بين ظنية أدلة الأنساب وبين مدلولها وكذلك التبس عليه معنى الظن المراد بقولهم (الأنساب ظنية) .

ثم ذكر الكاتب تقسيما للأنساب وأمثلة على كل قسم ، سنقتصر على مناقشة التقسيم فهو يغني ويكفي إن شاء الله تعالى .

قال الكاتب : الأنساب تنقسم إلى :

1- نسب ثابت : وهو الذي ثبت بالطرق الشرعية .

2- نسب غير ثابت : وهو الذي لم يثبت بالطرق الشرعية .

3- نسب متوقف فيه .

قلت : هذا التقسيم لا بأس به ، ولكن كلامنا يتجه نحو أدلة ثبوت النسب عن طريق الأخبار (كالكتب والوثائق) بخلاف الطرق الشرعية الأخرى كالشهادة(البينة) والإقرار فتنبه !

فالنسب مثلا يثبت بخبر ، والسؤال المطروح هنا : هل هذا الخبر متواتر أم آحاد ؟

فإن قيل : متواتر . قلنا : من قال به ؟!!

وإن قيل : آحاد . قلنا : الحمد لله . فارجع إلى كلام الأئمة عن قبول خبر الآحاد وماذا يفيد عندهم ، وقد ذكرنا قول الشيخ بن عثيمين في أول المقال وقس عليه بقية التقسيم (النسب الذي لم يثبت والمتوقف فيه) .

وقال : ولو فتشنا كتب الأنساب والرجال لن نجد إلا (نسب ثابت ونسب غير ثابت وتوقفوا فيه)

قلت : ليت الكاتب لم يعمم فآفة مقاله دعواه الإحاطة وهي تزكية مبطنة للنفس لا أظنه يخفى عليه حكمها .

يقول ابن شدقم في نخبة الزهرة (ص227) : وقد وصلت هنا وفي الزهرة بعض السلاسل بأصلها ولم يصلها والدي رحمه الله وذلك الوصل عولت في بعضه على خبر شرعي يثبت به النسب وفي الباقي على خبر أفادني بالظن وإن لم يكف في ثبوت النسب شرعا وذكرت سنده في الزهرة .

وكذلك يقول الشريف د.حاتم العوني المحدث المعروف : وإني لا أعجب ممن يدعي نسبا لايثبت بيقين أو غلبة ظن .

فهذا منهج أهل الحديث والنسب بارك الله فيك ، فهل ستقول أنهم واغلون في الأنساب بغير علم ؟! وهل ستشق عن قلوبهم وتطلع على نواياهم ؟!!

ثم قال : لأن الأنساب تثبت بالاستفاضة والشهرة العلمية الصحيحة والخالية من الجرح المفسر والناقض العلمي وهو ما يقطع الظن أصلا .

قلت : أدلة إثبات النسب كثيرة ومنها الشهرة والاستفاضة ، والفقهاء والمحدثون يعتبرون الشهرة تفيد الظن وبعضهم يقول : العلم النظري كابن حجر رحمه الله تحرزا من العلم الضروري (القطعي) ، فهل نأخذ بقولك أخي الكريم أم بقول أولئك الأئمة !!

فإن بلغت رتبتهم فلن يسعنا إلا قبول قولك .

ثم نقول للكاتب إن الجرح المفسر يقطع الظن في المدلول وليس في ثبوت أصل الدليل ومقالك من أوله إلى آخره تخلط فيه بين ظنية ثبوت الدليل وبين مدلوله على النسب ، ومعلوم أن مدلول الدليل قد يفيد القطع أو الظن حسب قوة الدلالة وطرق الاستدلال المتبعة ، ولكن هذا الأمر خارج عن نطاق حوارنا معك وبالتالي عن عنوان مقالك وما أراده القوم من مقولة الأنساب ظنية .

ولعلي أختم هنا بالتعليق على استشهاده بكلام ابن القاسم المالكي لأن بقية المقال لا يخرج عن مناقشتنا لكلامه أعلاه ، فترداده سيكبر به المقال ويشتت الانتباه .

يقول الكاتب : وقد قيل للإمام عبدالرحمن بن القاسم المالكي كما في جامع الأمهات (476) أيشهد أنك ابن القاسم من لا يعرف أباك ولا يعرف أنك ابنه إلا بالسماع ؟ قال : نعم ويقطع بها ويثبت بها النسب .

قلت : رحمك الله ما هكذا تورد الإبل !!

وهل هذا دليل على قطعية الشهرة والاستفاضة ؟!!

إن هذا النص الذي ذكرته أخي الكريم عن ابن القاسم شيء آخر ، فاستدلالك في غير موضعه .

فابن القاسم المالكي يتكلم هنا عن الشهادة (البينة) وهي أحد أدلة ثبوت النسب ، وشتان بينها وبين الشهرة والاستفاضة وإن كانت الشهادة تعتمد على الشهرة كما سنوضحه إن شاء الله .

وتفسير ما ذكره ابن القاسم : أن الفقهاء رحمهم الله ذكروا الشهادة وأنها لا تجوز إلا عن علم وقطع كما قال تعالى (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) والعلم المراد هنا هو : العلم الضروري (القطعي) .

قال ابن قدامة في المغني (14/138) : فإن مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان الرؤية والسماع .

وقد استثنى الفقهاء بعض الأمور التي لا يمكن حصول الرؤية والسماع فيها كالشهادة في النسب والولادة .

قال ابن قدامة (نفس المصدر) : النوع الثاني من السماع وهو ما يعلمه بالاستفاضة وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة قال ابن المنذر أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع منه ذلك لاستحالت معرفته والشهادة به إذ لاسبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه .

وقد شرح التسولي المالكي صاحب البهجة شرح التحفة مكنون قول ابن القاسم حيث قال (1/212) : فصل في شهادة السماع وهي قسمان :

الأول : ما يفيد العلم سواء بلغ حد التواتر المفيد للقطع كالسماع بأن مكة موجودة وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أو حد الاستفاضة المفيدة للظن القوي القريب من القطع كالسماع بأن نافعا مولى ابن عمر وعبدالرحمن هو ابن القاسم وهذا القسم لا يصرح الشاهد فيه بالسماع بل يجزم بالشهادة فقد قيل لابن القاسم …إلخ

فالمراد بقول ابن القاسم (ويقطع بها) أي أن الشهادة في النسب عند المالكية لابد أن يقطع الشاهد بها ويجزم بها في نفسه وليس كما توهم أخونا الكاتب أن القطع يحصل لدليل الشهرة والاستفاضة .

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

كتبه // فهد بن محمد بن معيوف الصحفي

المشرف على مركز غران للدراسات والنشر

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *