إبطال انتساب الأعسم بالنجف للعسوم من حرب

بسم الله الرحمن الرحيم

لايزال الكلام متصلا حول دراسة ومناقشة ما ينشره د. مبارك المعبدي عن قبيلة زبيد ، خاصة في كتابه الأخير ملامح من تاريخ قبيلة زبيد بالحجاز والذي امتلأ بالخلط في الأنساب والتدليس في النقول والإحالات والأوهام التي تصل إلى حد التناقضات عافانا الله وإياكم منها .

يقول د. مبارك المعبدي (ص315) نقلا عن الزركلي وكحالة :

ومن العسوم هؤلاء العسمان القاطنون في النجف بالعراق وهم فخذ من العسوم من زبيد من بني حرب برز منهم علماء في مذهب الشيعة الإمامية ومن أقدمهم محمد علي بن حسين بن محمد الأعسم الزبيدي (1154-1233) .

ونحن هنا لا نلوم د. مبارك المعبدي ولا نثرب عليه إطلاقا لأنه مجرد ناقل يجمع الأخبار ويرتبها وينشرها أما صناعة التحقيق والبحث والتدقيق فيظهر لي أنها ليست بضاعته ولا تعنيه بشئ .

وقد ترجم مؤلفو الشيعة المتأخرون لبعض أعيان آل الأعسم في النجف منهم على سبيل المثال :

1- عبدالحسين الأميني النجفي (1320-1390) في كتابه شهداء الفضيلة

2- جواد شبر (1332-تقريبا 1380) في كتابه أدب ألطف

3- آغا بزرك الطهراني (1293-1389) في كتابه الذريعة إلى تصانيف الشيعة

4- محسن الأمين (1284-1371) في كتابه أعيان الشيعة

5- علي الخاقاني (1328-1400) في كتابه شعراء الغري

6- جعفر آل محبوبة (1314-1377) في كتابه ماضي النجف وحاضره

وجميع هؤلاء كان اعتمادهم على كتابين لمؤلفين معاصرين لهم تقريبا وهما :

1- كتاب الطليعة في شعراء الشيعة لمحمد السماوي (1292-1370)

2- وكتاب معارف الرجال لمحمد حرز الدين (1273-1365)

وستكون مناقشتنا لهذين الكتابين لأنهما مصدرا تلك الكتب .

قال السماوي في الطليعة (ج2-ص267) :

محمد علي بن الحسين بن محمد الأعسم النجفي الزبيدي زبيد الحجاز من حرب .

وقال محمد حرز الدين في المعارف (ج2-ص24)

الشيخ عبدالحسين بن الشيخ محمد علي بن الشيخ حسين بن الحاج محمد (الزبدي) الأعسم .

قال محقق كتاب المعارف في الهامش نقلا عن حرز الدين : وحدثني بعض الوجوه من حرب أن العسمان الذين ينتسبون إليهم آل الأعسم في النجف هم فخذ من إحدى بطون قبيلة حرب يعرف (زبدي) .

فمن خلال هذه النصوص يتضح أن الرواية التي اعتمدها مؤلفو الشيعة في نسب آل الأعسم بالنجف هي رواية متأخرة مستمدة من رجل مجهول يدّعي حرز الدين أنه من وجوه قبيلة حرب بالعراق .

ومعلوم أن قبيلة حرب لم تنزل العراق إلا في زمن متأخر عن سكنى آل الأعسم للنجف .

يقول العزاوي في عشائر العراق نقلا عن مشائخ حرب بها (ج1-ص315) :

هذه القبيلة أصل مواطنها الحجاز ونجد وفي الأيام الأخيرة بسبب واقعة آل سعود في الحجاز مال قسم منها إلى العراق وصارت تسكن الشامية قرب الأخيضر …..إلى أن قال :

وقضت هذه القبيلة بضع سنوات وقد سمعت في هذه الأيام عودتها إلى مواطنها الأصلية .

وأما تاريخ هجرة آل الأعسم كما يدعي مؤلفو الشيعة فإنه ضارب في القدم .

يقول آل محبوبة في ماضي النجف وحاضره (ج2-ص18) :

وهذه الأسرة نبتت أرومتها في النجف في أوائل القرن الحادي عشر . (أي بعد عام 1000 هجرية)

ويقول كذلك :

وأول من هاجر إلى النجف منها هو الحاج محمد من محل يقال له خليص من نواحي المدينة .

ويقول أيضا :

ويقال في سبب هجرته أنه جيء به بطلب من حكومة الترك لأجل محافظة البلاد وصد هجمات العادية من الأعراب .

فهذه خلاصة الروايات الشفهية في نسب آل الأعسم بالنجف وهي روايات مختلقة صنعت في معامل النجف يضرب أولها بآخرها وسنثبت ذلك بالأدلة إن شاء الله تعالى .

أولا // إن النسبة إلى الأعسم ليست حديثة أو وليدة اليوم بل موجودة بالعراق منذ القدم واشتهر منهم أناس ترجم لهم الحافظ الكبير الخطيب البغدادي في تاريخه حيث قال (ج3-ص434) :

محمد بن عبدالله بن يزيد بن حيان أبو عبدالله الأعسم مولى بني هاشم ويعرف بالمنتوف (ت264) .

وقال في موضع آخر (ج14-ص112) :

عمرو بن محمد بن الحسن الزمن المعروف بالأعسم بصري سكن بغداد .

وقد نقل السمعاني في أنسابه عن البغدادي هذه النسبة وضبطها ضبطا دقيقا مما يدل على اشتهارها في عصره كذلك حيث قال (ج1-ص311) :

الأعسم بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح السين وفي آخرها الميم .

ثانيا // وحينما استولت الدولة البويهية على العراق سنة 334 هجرية وقوي بها النفوذ الشيعي عمّرت المراقد والعتبات الشيعية بالنجف وجيء بعلماء المذهب الإمامي للتدريس بها وكذلك العاملين لخدمة هذ المراقد وكان ممن جيء به لخدمة هذه المراقد الشيعية جد آل الأعسم هؤلاء القاطنين بالنجف اليوم .

يقول حسن الصدر في كتابه تكملة أمل الأمل (ج3-ص311) :

الشيخ محسن بن الحاج مرتضى الأعسم الكوفي …..إلى أن قال :

وهم من قدماء بيوت النجف كان عضد الدولة البويهي جاء بهم إلى النجف وأسكنهم فيها وأصل الأعسم من طوائف الحجاز على ما قيل .

فالصدر اعتمد الرواية الأقدم في مجيئهم وذكر حجازيتهم بصيغة التمريض وكذلك نرى القمي في الكنى والألقاب (ج2-ص42) يربط بين النسبتين حيث قال :

والأعسم يطلق على جماعة منهم عمرو بن محمد بن الحسن الزمن ذكره الخطيب ….. إلى أن قال :

والأعسم في عصرنا يطلق على محمد علي بن الحسين بن محمد الأعسم النجفي الزبيدي .

والصدر والقمي كلاهما معتمدون في المذهب وحجة في الرجال أكثر من أولئك القصاص والأدباء .

ثالثا // أن مؤلفي الشيعة المتقدمين والمعتنين بتراجم الرجال لم يذكروا هذه الروايات في تراجم آل الأعسم ولو ذكروها لنقلت عنهم كالشيخ درويش علي البغدادي الحائري (1220-1277) في كتابه كنز الأديب حيث نقل عنه الأمين في أعيان الشيعة وقال (ج9-ص438) :

وقال الشيخ درويش علي البغدادي الحائري في كتابه كنز الأديب في حقه على ما حكي : الشيخ العالم العلامة القدوة كان من كبار تلامذة بحر العلوم يروي عنه وعن غيره صاحب مؤلفات جيدة ومصنفات مفيدة . (يقصد محمد علي الأعسم)

ونقل عنه الخاقاني في كتابه شعراء الغري (ج5-ص4) حيث قال :

وذكره الشيخ درويش علي البغدادي في كتابه كنز الأديب فقال : عالم فاضل جليل وأديب شاعر نبيل له منظومة في آداب الأكل والشرب وله منظومات كثيرة في الفقه والعربية ولم أقف على تاريخ ولادته (يقصد عبدالحسين الأعسم) غير أنه كان في عصر الفقيه علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء .

وكذلك الشيخ علي كاشف الغطاء (1267-1350) صاحب كتاب الحصون المنيعة في طبقات الشيعة والذي يعد مصدرا رئيسا لبعض تلك الكتب لم يذكر تلك الرواية ولو ذكرها لنقلت عنه ، وقد حاولت الحصول على نسخ من هذين الكتابين فلم استطع ولعل من يطلع عليهما يجد صحة ما نقوله !

رابعا // أن الرواية التي قيلت في سبب مجيئهم وتاريخه رواية مختلقة وموضوعة واضحة المعالم فلا تحتاج لمناقشة ، وبيان بطلانها كالأتي :

من المعلوم أن التاريخ حفظ لنا جلّ الحوادث التي مر بها النجف سواء على الصعيد السياسي أو العمراني أو الديني وذلك لمكانته الدينية لدى الشيعة الإمامية ، ومن ذلك تصارع الدولتين العثمانية والصفوية على العراق في القرن العاشر الهجري .

يقول د. الحكيم في كتابه المفصل في تاريخ النجف (ج1-ص345) :

كانت الدولتان العثمانية والفارسية في صراع عسكري وبخاصة في عهدي السلطان سليمان القانوني والشاه إسماعيل الصفوي .

وقال :

وفي عام 914 هجرية أمر (أي الشاه الصفوي) بحفر النهر الذي يسمى باسمه نهر الشاه في محاولة منه لإيصال الماء إلى مدينة النجف وولى السيد محمد كمونة حكومة النجف .

وقد ذكر د. الكرباسي في كتابه تاريخ المراقد جدولا يبين من تولى هذا المنصب تحت مسمى السدنة وفيه (ج3-ص385) :

سنة 914 تولى السيد محمد بن حسين كمونة السدانة نتعيين من الملك إسماعيل الأول الصفوي .

سنة 940 تولى السدانة السيد إدريس بن جماز آل زحيك .

سنة 963 تسلم قبل شهر شوال الشيخ شمس الدين بن شجاع السدانة

سنة 990 تولى الشيخ جعفر الحائري سدانة المرقد

سنة 1025 تولى الشيخ محي الدين بن علي الحائري

سنة 1032 كان السيد محمد بن سليمان الدراج على سدة السدانة

سنة 1075 كان الشيخ إبراهيم شمس الدين الحائري

سنة 1106 تولى سدانة الروضة المقدسة السيد محمد منصور الزعفراني …إلخ

فأين الحاج محمد الأعسم الذي قدمت به السلطات التركية لحماية النجف في أوائل القرن الحادي عشر كما زعموا ؟!!

وهل يعقل أن تغفل المصادر التاريخية وكتب التراجم عن ذكر هذه المنقبة لهذه الأسرة ؟!!

ولذلك نرى المحققين من مؤرخي الشيعة كالدكتور حسن الحكيم في كتابه المفصل في تاريخ النجف أضرب عن هذه الروايات صفحا ولم يلتفت إليها حينما ترجم ليعض أعيان هذه الأسرة .

خامسا // وبالنظر إلى مشجرات أسرة الأعسم وعمود نسبها نجده يتناقض مع ما ذكروه في تاريخ قدومهم للنجف وكذلك يتناقض مع وجود الأصل الذي يحاولون الانتساب إليه وهو (قبيلة العسوم من حرب) .

يقول الخاقاني في شعراء الغري (ج4-ص463) :

الشيخ عباس بن الحاج عبدالسادة بن الحاج مرتضى بن الحاج قاسم بن إبراهيم بن موسى بن الحاج (محمد) وهو الذي نزح إلى النجف من خليص إحدى ضواحي المدينة قبل ثلاثة قرون .

وقال آل محبوبة في ماضي النجف وحاضره (ج2-ص24) :

وكان والده صائغا (أي والد الشيخ عباس) .

وعبدالسادة والد الشيخ عباس هذا : أخ للشيخ محسن بن مرتضى (ت1238) المعاصر للشيخ محمد علي الأعسم

فلو افترضنا أن الشيخ محسن بن مرتضى بن قاسم بن إبراهيم بن موسى بن محمد الأعسم ولد عام 1150 ووالده مرتضى كان حيا سنة 1100 هجرية فمن المستحيل أن يتسلسل أربعة جدود في 100 عام خاصة إذا أخذنا بالاعتبار حال آل الأعسم الذي يشبه حال عامة الناس دون الإلتفات لقاعدة ابن خلدون فهي غير منضبطة في ذلك .

وعليه تكون مدة حياة جد هذه الأسرة في القرن العاشر على أقل تقدير وليس كما زعموا .

وكذلك بالنسبة لقبيلة العسوم من حرب فقد حققنا تاريخ وجودهم بخليص بعد عام 1000 هجرية أي في أول القرن الحادي عشر الهجري وفصلنا القول فيه بمقالين

1- نسب الشيخ مالك بن رومي الزبيدي بقسم الأنساب فليرجع إليه .

2- من تاريخ خليص (ج1) بقسم التاريخ فليرجع إليه كذلك .

فكيف يوجد الفرع قبل الأصل ؟!!!

وهل يعقل أن يختلف نسبهم من العسوم إلى الأعسم وهم متقاربون في زمن الظهور ؟!!

ولعلي أختم القول هنا بالتعليق على قول آل محبوبة في ماضي النجف عن الحاج عبدالسادة الأعسم أنه كان صائغا ، ومعلوم أن مهنة الصياغة في ذلك الوقت لا تكتسب بالتعلم وإنما بالوراثة لأنها مصدر تكسب عزيز يؤثرون تعليمه لغير بيوتاتهم وهي مهنة تأنف منها قبائل حرب ومنها قبيلة العسوم مشائخ حرب !

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبه // فهد بن محمد بن معيوف الصحفي

المشرف على مركز غران للدراسات والنشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *