وثيقة تحديد ديار زبيد إشكالات وردود

 

012

ترجمة الوثيقة :

لقد تحاضر الرجال الكمل وهم رجال زبيد على شيخهم عبدالله بن عسم وبموجب النذار ببيان الحدان وتخصيص الديرة على طرح الحدان القديمة وحدد لهم الديرة من شام من بطن مسيل ينبع منحدر إلى البحر ومن شرق درب الحاج السلطاني إلى شمال وعلى الحدر وعلى حسنه على المسفرة إلى حلق ميل الخريبة ويقبله مسند إلى فم مجاح ويتيامن إلى مقرح الدمجا ما ردت يسار عمري وما ردت يمين زبيدي ويشرق إلى الشيبا الميسرة عمرية والميمنة مسروحية صطكية الحدان بقرار أهلها ومن جهة سليم ثمرة وزورا وضلع الروضة وقهيبا مسر ودرب الزاير إلى حرة فيدة اليمانية وما ردت الحرة قبلة دولية وما ردت شام زبيدية إلى واردة الماء من عسفان ويحدر على النصيباء وعلى أبو حصاة وعلى النصيب إلى البحر وهذه الحدان المذكورة من حدها الشرقي المذكور وردة البحر وأما تخصيص الديرة بين أهلها من مسيل ينبع إلى الزريب عند زبيد الشام ومن الزريب إلى عويرضة عند القايدي ومن عويرضة إلى الثنية عزيرية ومن الثنية إلى عسفان عسميه وتوابعه …إلخ

بسم الله الرحمن الرحيم

نشر د.مبارك المعبدي في كتابه ملامح من تاريخ قبيلة زبيد في الحجاز (ط1/س1434/ص624) وثيقة تحت عنوان : هذه وثيقة شرعية تخص توزيع ديار زبيد على أهلها الأصليين في زمن الشيخ عبدالله بن عسم عام (1192) .

وقد أشار إليها البلادي رحمه الله في كتابه نسب حرب (ط3/س1404/ص176) حيث قال : فقام عبدالله ابن عسم في أول القرن الثالث عشر فحدد مع أعيان زبيد الديار المعروفة اليوم بالزبيدية ….إلخ

وكذلك في لقاء مصور للشيخ عبدالخالق بن عسم أبرز أصل الوثيقة وذكر أن تاريخها يعود لعام 1092 هجرية .

وهذه الوثيقة ورد عليها عدة إشكالات نتجت في ظني عن أسباب منها :

1- قصور في آلة قراءة الوثائق لدى كثير ممن طرقها خاصة في شبكة المعلومات (الأنترنت) .

2- عرض الوثيقة ودراستها كنص مستقل دون استيعاب للحقبة الزمنية المزامنة لها .

3- الإهمال التام لنصوص المؤرحين السابقين لها والذين طرقوا نفس موضوع الوثيقة مما يساعد على فهمها وتفسيرها بشكل أوضح وأشمل .

الإشكال الأول : قول د.مبارك المعبدي : هذه وثيقة شرعية تخص توزيع ديار زبيد على أهلها الأصليين 

وهذا قول مردود على صاحبه وعلى من أملاه عليه ، لأن موضوع الوثيقة هو : تقرير الحدود الإدارية لديار قبيلة زبيد مع القبائل الأخرى المجاورة لها ومع إمارة ينبع وإمارة مكه التي تسيطر عل الأقليم كله ، وكذلك توزيع إدارتها على المذكورين فيها تحت سلطة ابن عسم أمير خليص ، وهي حدود تتمدد وتتقلص حسب نفوذ قبيلة زبيد في السلطة المسيطرة على الحجاز .

فالوثيقة في الجملة هي محافظة رابغ ومحافظة خليص اليوم مع إنحسار في بعض المواضع وتمدد في أخرى

فالرايس مثلا نجده في زمن الوثيقة داخل حدود ديار زبيد بينما اليوم يتبع محافظة بدر

وكذلك وادي حجر نجده في الوثيقة خارج حدود ديار زبيد بينما اليوم يتبع محافظة رابغ

وكذلك ثول وذهبان كانا ضمن حدود ديار زبيد في زمن الوثيقة بينما اليوم يتبعان محافظة جدة

وقد مرت حدود ديار زبيد عبر التاريخ بأربع مراحل يجب إيرادها حتى تتضح الصورة ويعلم د.مبارك المعبدي ومن يملي عليه من هم أهلها الأصليين !!!؟

المرحلة الأولى :

في القرن السابع والثامن والتاسع إلى عام 873 هجرية كانت ديار قبيلة زبيد تمتد من مسيل الصفراء على الساحل إلى الجحفة ورابغ .

قال ابن فضل الله (ت749) :

ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد الحجاز . (مسالك الأبصار ،ج4/ص204)

وقال القلقشندي ( ت821) :

ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد . (صبح الأعشى ،ج4/ص490)

المرحلة الثانية :

من عام 873 هجرية إلى عام 976 هجرية كانت ديار قبيلة زبيد قد توسعت بعض الشئ فقد ذكر الجزيري (ت976) أنها تمتد من ينبع إلى الجموم وكانت إدارتها كالتالي :

من ينبع إلى رابغ تقريبا عند زبيد الشام

ومن رابغ إلى الجموم عند زبيد اليمن

وقد فصلنا في تاريخ هذا التوسع وأسبابه في مقالنا من تاريخ خليص (ج1) فليرجع إليه .

تنويه : المنطقة من عسفان إلى الجموم من ديار بشر من حرب في زمن الجزيري ولكن كانت تتبع إمارة زبيد اليمن بخليص إداريا كما ذكر ذلك النهروالي (ت990) وسنجدها في المرحلة الثالثة تتبع أمير مكة مباشرة

المرحلة الثالثة :

وثيقة تحديد ديار زبيد عام 1092 هجرية وهي تنص على أن حدود ديار قبيلة زبيد تمتد من ينبع إلى عسفان فقط .

وأما إدارتها كالتالي :

من ينبع إلى رابغ تقريبا عند زبيد الشام

ومن رابغ إلى عسفان (عند القايدي والعزيري وابن عسم) والجميع تحت إمرة ابن عسم أمير خليص

وأختفى تماما ذكر زبيد اليمن في الوثيقة بعد أن كانت لهم السلطة في هذه المنطقة (من رابغ إلى عسفان) زمن الجزيري والسبب هو :

يقول النهروالي الذي مر على خليص سنة 976 هجرية :

وكان عرب زبيد يأخذون سبعة أنصاف على الجمل العصم وحدهم إلى رابغ فمنعهم السيد قريبا من ذلك فلم يمتنعوا فأمر بإجلائهم عن وطنهم وأسكنهم اليمن ((أي وادي قرماء جنوب مكه)) وأبقى في خليص مزينا فقط مع جماعة يسيرة وهم الآن لا يأخذون شيئا . (مدرج عثمان ص52)

فبسبب هذا الإجلاء لبعض قبائل زبيد اليمن أصبحت زبيد اليمن تابعة للسلطة الجديدة بخليص بعد أن كانت متبوعة وأختفى ذكرهم من الوثيقة كسلطة فقط وليس كوجود ، وكذلك نجد المنطقة بين عسفان والجموم (ديار بشر) خرجت عن حدود ديار زبيد في الوثيقة وأصبحت (دولية) أي تتبع لإمارة مكة مباشرة .

المرحلة الرابعة :

في العهد السعودي وبعد دخول القوات السعودية للحجاز سنة 1343 عملت الدولة بالوثيقة زمن الشيخ اسماعيل بن مبيريك وكانت كل قبيلة من قبائل زبيد لها السيطرة إداريا على ديارها تحت إمرة بن مبيريك ثم تحول نظام الدولة من إمارة قبلية إلى إمارة مناطقية مع تطور البلاد شيئا فشئ كما نراه اليوم .

الإشكال الثاني : قوله في الوثيقة : عسميه وتوابعه

وهذا يعني أن قبائل زبيد اليمن توابع لابن عسم .

وقد سألت الشيخ عبدالخالق بن عسم عن معنى قوله في الوثيقة : عسميه وتوابعه فقال :

توابعه في الإدارة والمشيخة وليس النسب

وسألت الشيخ مرزوق بن نفاع الصحفي كذلك فقال :

لانعلم تبعية لابن عسم إلا كما نتبع محافظة خليص اليوم .

قلت : إن الوثائق لا يرد عليها إلا وثائق مثلها تكشف معناها أو تبطل مدلولها ومغزاها

فالوثيقة كتبت في عهد سلطان العسوم حينما كانوا سلطة بالحجاز .

يقول السنجاري (ت1125) في حوادث سنة 1101 هجرية :

وجاء الخبر أن خليصا أخذت من حاكمها وورد حاكمها مكة .(منائح الكرم ج5/ص99)

وحينما زال سلطان العسوم ووفد ابن عسم على السلطان عبدالعزيز آل سعود بيّن حدود ديرته التي يسكن بها قومه وجماعته وأنها تبدأ بعد ديار قبيلة الصحاف من زبيد اليمن وأنهم ليسوا توابع له كما ذكر في وثيقته .

يقول الغازي (ت1365) مؤرخ مكه عن مبايعة ابن عسم للسلطان عبدالعزيز :

عهد زبيد وبني عمرو الأشراف :وفي شهر جمادى الثاني سنة 1343 قدم من قبيلة زبيد رئيسها والمتقدم فيها صالح بن عبدالله بن عسم ومن بني عمرو الأشراف عبدالله بن ماضي ووارد بن سند فتهعد الأول ابن عسم بكفالة قومه من قبيلة زبيد المقيمين ضمن الحدود المعروفة قبلة من انقطاع حدود الصحاف صمد المغربي إلى رابغ ومن الشرق من صمد المغربي إلى حدود سليم ومن الغرب البحر .

فلو كانت قبيلة الصحاف من زبيد اليمن من حرب تابعة له في النسب لكانت ضمن حدود ديار ابن عسم في المبايعة وكذلك لكانت ضمن قبائل زبيد الشيخ التي تعتبر فرعا من قبيلة زبيد اليوم وهذا لا يقول به أحد .

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

كتبه// فهد بن محمد بن معيوف الصحفي

المشرف على مركز غران للدراسات والنشر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *