الرد على مقال نسب بني مسروح من خزاعة(ج1)

بسم الله الرحمن الرحيم

انتشر على شبكة المعلومات (الانترنت) مقال بعنوان : نسب بني مسروح من خزاعة للدكتور ياسر الأنصاري تكلم فيه عن أنساب بعض القبائل التي سكنت الحجاز ولازالت موجودة به إلى يومنا هذا وأخرى تلاشت مسمياتها واختفت ، أو تغيرت اسماؤها على حد زعمه .

والمقال بالجملة ومن خلال عنوانه يتضح فيه أن الكاتب وبعد استقراءه لبعض كتب الأنساب والتاريخ والسير توصل لنظرية وهي :

بما أن القبائل القديمة مازالت محتفظة باسماءها وموجودة بديارها (كسليم وجهينة وأسلم ومزينة) فإن القبائل التي كانت بجوارها ولكن اختفت مسمياتها وتلاشت (كقبائل كنانة وكبني عمرو من خزاعة ونهد من قضاعة) إنما نتج ذلك عن تغير مسماها لا عن هجرات وتنقلات كما يدعيه الآخرون .

ثم أخذ يبرهن لتلك النظرية ويدلل عليها بمقدمة وثلاثة مباحث ، وسنرى من خلال دراستنا للمقال صحة هذه النظرية أم بطلانها بدراسة الأدوات التي اتبعها الكاتب للوصول إلى النظرية والبرهنة عليها .

يقول د.ياسر الأنصاري في مقدمته :

تمر على الباحث أحيانا مسائل يظنها من الحقائق والمسلمات التي لاتقبل النقد إطلاقا ولكن إذا تجرد الباحث من كل شئ إلا من أصول البحث العلمي وأساسياته وأخضع تلكم المسائل – التي يظنها البعض مسلمات- لأدوات البحث العلمي وللفحص والتدقيق والمراجعة وجد أن تلك الهالات العظيمة لاتلبث إلا أن تتقازم وتتلاشى شيئا فشيئا أمام البحث العلمي الفاحص ……إلى أن قال : ومما يندرج تحت ما تقرر آنفا ما مر بي أثناء قراءاتي ونظري في بعض كتب الأنساب مما يقرره بعضهم بأن بني مسروح ينتمون لقبيلة حرب !!.

فالكاتب هنا يريد أن يوصل للقارئ رسالة مفادها أنه إذا تجرد من كل شئ إلا من أصول البحث العلمي التي يزعم أنه ينتهجها فسيتبين له أن نسب مسروح من حرب فيه نظر .

ثم استطرد الكلام في تأصيل نظريته التي أشرت إليها آنفا لينطلق منها لإثبات دعواه التي عنون بها المقال .

يقول د.ياسر الأنصاري : المبحث الأول : ذكر الأقوال في بني حرب

وهذا المبحث متصل الذكر بالمقدمة في تأصيل نظريته وسأتجاوز مناقشته لأنه ليس بكثير فائدة وإنما أراد به أمرين :

1- إثارة الشبه في نسب حرب وأن هناك من قال بأنها أحلاف لذلك نراه يدخل كلام الشريف شرف بن عبدالمحسن البركاتي في الرحلة اليمانية ضمن الأقوال التي سردها في نسب حرب .

2- التوطئة لنظريته التي أشرت إليها آنفا وهي : بقاء القبائل القديمة بمسمياتها وبديارها يعتبر دليلا على وجود الأخرى التي كانت بجوارها ولكن تلاشت مسمياتها ، وبما أن قبيلة حرب هناك من يقول بأنها أحلاف إذن فتلك القبائل هي قبيلة حرب في الواقع ولكن تغيرت اسماؤها فقط .

ويقول د.ياسر الأنصاري : المبحث الثاني : إثبات نسب بني مسروح من خزاعة

وهذا المبحث لب المقال وزبدته وهو ما يستحق منا مناقشته حتى نرى مدى إلتزام الكاتب بأصول البحث العلمي التي تجرد لها لإثبات نظريته أم أنه حاد عنها .

يقول د.ياسر الأنصاري :

ذكر ابن دريد الأزدي المولود (230) في كتابه (الاشتقاق) أن بني مسروح بن قيس بن الضربية من خزاعة ولهم شرف حيث أن ابن دريد متواجد في البصر وكان يسمع عن بني مسروح الخزاعية وكتب عنها والضربية اليوم حرّة بين قبيلة عيينة ومعبد (يقصد بعيينه عتيبة)

ويؤخذ على الكاتب هنا نقله لكلام ابن دريد بالمعنى دون اللفظ وهو أمر لاحرج فيه ولكن يشترط له عدم الإخلال بروح النص وهذا من أساسيات البحث العلمي التي انتهض لها .

وبالرجوع لنص ابن دريد الأصلي تبين الآتي :

1- لم يقل ابن دريد (بني مسروح) وإنما قال : بنو الضريبة بن عمرو بن الحزمر لهم شرف منهم مسروح بن قيس بن الضريبة الشاعر .

فالكاتب أوهم القارئ ان مسروحا الشاعر يعد بطنا في خزاعة ويظهر لي أن هذا هو السبب الذي جعله ينقل النص بالمعنى دون اللفظ ويدلس في النقل والإحالة حتى يمرر هذا الصنيع الذي يُسقط عدالته إن تعمده خاصة إذا علمنا أن الكاتب له مغزى من ذلك وليس التجرد كما يدعي .

2- لم يقل ابن دريد (الضربية) وإنما قال : بنو الضريبة بن عمرو بن الحزمر . فهو رجل في عمود نسب وقد بيّن ابن دريد اشتقاق اسمه بكل وضوح فليرجع إليه (ص472)

أما الكاتب فقام بما يلي :

(أ)- تحريف الاسم من الضريبة إلى الضربية (بتقديم الباء على الياء) وهو ما يخالف الأمانة العلمية في النقل وأصول البحث العلمي التي انتهض لها .

وقد يقال : تصحيف ويجاب : بأن سياق كلامه يدل على خلافه حيث زعم أنها حرّة بين عتيبة ومعبد .

(ب)- أدعى الكاتب أن (الضربية على حد زعمه) حرّة بين عتيبة ومعبد ، وهذا وهم نشأ عن تقصيره في استقصاء مسميات البلدان والمواضع أو قد يكون نقله سماعا من أحد الرواة ، وهذا كله لا يجيز له تحريف الاسم .

يقول البلادي في معجم معالم الحجاز (ج5-ص1035) :

الضريبة : واد فحل من أودية الحجاز إذا اجتمع هو وحماة كونا وادي مر أحد روافد مر الظهران الكبيرة الدائمة الجريان . يسيل وادي الضريبة من جبلي أرنامة ومسولا وأعلاه الشرافة : قرارة أرض مرتفعة يسيل ماؤها الغربي في الضريبة والشرقي في سلحة فعقيق عشيرة-انظرها-ويقع ميقات أهل العراق والقصيم(ذات عرق) في الضريبة….إلى أن قال : والضريبة من ديار عتيبة .

3- قوله : حيث أن ابن دريد متواجد بالبصر (أي البصرة) وكان يسمع عن بني مسروح الخزاعية وكتب عنها . يؤخذ عليه أمران :

(أ)- قراءته للنصوص قراءة سطحية بدون فحص ولاتمييز بين منقول المؤلف ومقوله . فابن دريد نقل النص عن الكلبي (ت204) في نسب معد وليس كما يذكر الكاتب أنه سمع بهم بالبصرة وكتب عنهم .

(ب)- أن الذين نقل الكلبي شرفهم هم بنو الضريبة وليس بنو مسروح الذين دلس الكاتب نص ابن دريد وحرفه لأجلهم .

وقد يرد السؤال : لماذا يصنع د.ياسر الأنصاري هذا الصنيع ؟

1-ينقل النصوص بالمعنى دون اللفظ

2- يحرف في ألفاظها

3- يدلس في النقل والإحالة

4- يجتزئ النصوص ويلفق بينها

والجواب : أن د.ياسر الأنصاري أراد أن يمرر بين أسطر بحثه ان مسروحا الشاعر الذي ذكره الكلبي (ت204) هو مسروح الذي ورد في رسالة عرام السلمي الذي عاش بالقرن الثالث الهجري لذلك نراه أتى بكلام عرام بعده مباشرة فهو كالتوطئة له .

يقول د.ياسر الأنصاري :

ذكر عرام السلمي في رسالته وهي (جبال تهامة وأوديتها) أن بني مسروح موجودة في ديار خزاعة ولكن لم يرفعهم في نسب ثم رفعهم البلادي بقوله (واعتقد أنهم من حرب)

ويستدرك على الكاتب هنا نقله للنص بالمعنى دون اللفظ وهو نفس الصنيع الذي فعله في رواية ابن دريد ، وبالرجوع للمصدر الذي نقل منه ظهرت دوافعه بجلاء .

يقول عرام السلمي :

رهاط وهي بواد يسمى غران …إلى أن قال : وبغربية قرية يقال لها الحديبية ليست بالكبيرة وبحذائها جبيل يقال له ضعاضع وعنده حبس كبير يجتمع عنده الماء ….إلى أن قال : فهؤلاء القريات لسعد وبني مسروح وهم الذين نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ولهذيل فيهم شئ ولفهم أيضا .(نوادر المخطوطات ج2-ص410)

1- فهل ذكر عرام السلمي في هذا النص أن بني مسروح في ديار خزاعة ؟

2- وهل يفهم منه أنهم من خزاعة ؟

إن نصوص عرام السلمي عن البلدان وسكانها هي من قبيل المقاربة والمتتبع لرسالته سيتبين له ذلك وأما أخذها وكأنها حقائق ونصوص قاطعة ثم تلوى أعناق النصوص الأخرى لتفسيرها فهذا دونه خرط القتاد .

فمثلا قوله : وهذه القريات ….إلخ . تعتبر رواية غير جازمة ولم يعين فيها ديار القبائل بالتحديد وإنما أشركهم جميعا فالعمل على تحديدها يحتاج استقصاء عميق وتحري دقيق لا كما يفعل د.ياسر هداه الله للصواب .

وأما رفع البلادي لنسب مسروح الذين ذكرهم عرام فهو اجتهاد يجاب عنه بأمرين :

1- لم يجزم البلادي بذلك وإنما قال اعتقد فهو من قبيل الظن الراجح .

2- ظهر لي من خلال تتبعي لكتبه رحمه الله أنه تراجع عن هذا القول في معجم معالم الحجاز (ج5-ص947) حيث قال : أما مسروح فقد ترددت في روايات عرام فإذا كانت مسروح حرب فليست هذه ديارها أما إذا كانت غيرها فالله أعلم .

ويقول د.ياسر الأنصاري

ذكر البكري في كتابه (معجم ما استعجم) ص811-3 بطرف شمنصير قرية يقال لها رهاط قال: وهذه القريات لسعد ومسروح وفي سعد نشأ الرسول صلى الله عليه وسلم لهذيل وفهم فيها شئ أما اليوم رهاط تسكنها قبيلة عتيبة وبجوارهم معبد من فروع بني مسروح وهي أراضي بنو الضربية في الجاهلية .

ويستدرك عليه أمور :

1- استشهاده بكلام البكري الذي نقل رواية عرام نصا مما يدل على أن الباحث يقرأ النصوص قراءة سطحية بدون فحص كما أشرت سابقا

2- يحتمل أن د.ياسر قام بنقل رواية عرام بالمعنى لأنها لا توافق مراده ولما كانت رواية البكري مناسبة لمآربه نقلها بحرفها وهذا تدليس خفي لا يكتشفه إلا منقاش البلقيني

فعرام يقول : سعد وبني مسروح وهم الذين نشأ فيهم رسول الله . كما في نوادر المخطوطات تحقيق عبدالسلام هارون

بينما رواية البكري : وفي سعد نشأ الرسول والكلام عن هذا يحتاج بسط وتفصيل ليس هذا موضعه .

3- قوله : وهي أراضي بنو الضربية في الجاهلية . زعم باطل نقلا وعقلا وقد نقضناه .

4- قوله معبد من فروع مسروح فيه تدليس في النسب لأن معبد فرع من ولد عبدالله من بني عمرو من مسروح من حرب ، وبني عمرو رأس في حرب ، ودخولها في مسروح متأخر عن رواية عرام بقرون ، وهو من قبيل التقسيم الداخلي لقبيلة حرب ويرجع لإدارتها ومشيختها كقبيلة زبيد تماما . وهو أمر يحتاج بسط ليس هذا موضعه

اختم القول : بأن هذه الاستدراكات في ثلاثة أدلة فقط وتركنا التوسع في الرد خشية الإطالة وحتى لايتشتت القارئ وأعد الإخوة المتابعين باستكمال الرد عليه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

كتبه// فهد بن محمد بن معيوف الصحفي

المشرف على مركز غران للدراسات والنشر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *