من تاريخ خليص (ج1)

بسم الله الرحمن الرحيم

سأحاول أن اقتضب المقال بحيث لايخرج عن المقصود وابتعد عن التحليلات لانها قد تشتت القارئ ، وأعد الإخوة القراء أنني سأتطرق للنصوص التاريخية التي سأعرضها هنا بالشرح والتعليق في موضع آخر إن شاء الله تعالى .

سأبدأ الكلام في تاريخ خليص من القرن السابع الهجري (من 600 – 700 هجرية) وسينكشف من خلاله تاريخ ما قبله إن شاء الله وسأعتمد في هذه الفترة على مؤرخين اثنين كل واحد منهما أدلى بخبر يكمل للآخر ويصدقه .

يقول العبدري الذي مر على الحجاز سنة 688 هجرية لإداء مناسك الحج :

خليص :….وهي قليعة منيعة على شرف مرتفع ولها نخل كثير وماء جار طيب وصاحبها من الشرفاء مستبد بها وهو رجل صالح محب في الحجاج ومكرم لهم .( رحلة العبدري ص351 )

فهذا الخبر يفيد أن صاحب خليص من الشرفاء . ولكن ما المقصود يا ترى بالشرفاء هاهنا ؟ 

يقول ابن شداد (ت684) عند ذكره للوفود التي قدمت على الملك الظاهر بيبرس :

ووفد عليه…… وتاج الدين حسان بن قاسم بن قتادة صاحب خليص . ( تاريخ الملك الظاهر ص329 )

فهذا الخبر ظاهر الدلالة أن المراد بالشرفاء في خبر العبدري هم الأشراف .

فالشريف حسان بن قاسم بن قتادة هو : والي خليص ، وجده الشريف قتادة بن ادريس بن مطاعن مؤسس حكم الأشراف بني حسن في الحجاز من سنة 597 حتى دخول القوات السعودية للحجاز سنة 1343 هجرية ، وجميع الحجاز آنذاك ولايات تابعة لهم يولون فيها من شاؤوا ويعزلون من شاؤوا .

وأما في القرن الثامن الهجري ( من 700 – 800 هجرية ) فأهم خبر ورد عن خليص في ظني هو خبر ابن فضل الله الذي تكلم فيه عن طريق الحاج المصري .

يقول ابن فضل الله العمري (ت749) :

ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد الحجاز ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى الثنية المعروفة بعقبة السويق لسليم ومن الثنية على خليص المشرفة على عسفان للشريف جسار من بني حسن ومن الثنية المشرفة على عسفان إلى الفج المسمى بالمحاطب لبني جابر . (مسالك الأبصار ج4-ص490 )

فهذا الخبر يؤكد ماسبق بيانه ويزيده وضوحا وهو أن خليصا إمارة تابعة للأشراف ولازالت بايديهم .

وأما في القرن التاسع الهجري (من800 – 900 هجرية) فسأورد عدة أخبار وسأبدأ بمؤرخ مكة لان خبره له علاقة بما سبق .

يقول الفاسي (ت832) متحدثا عن الشريف قتادة والي الحجاز :

وكان لقتادة من الولد : حسن الذي ولي إمرة مكة بعده وراجح وهو الأكبر الذي كان ينازع حسن في الإمرة وعلي الأكبر جد الأشراف المعروفين بذوي علي ، وعلي الأصغر جد أبي نمي جد الأشراف ولاة خليص . (العقد الثمين ج5 -ص475)

ويقول القلقشندي (ت821) واصفا طريق الحاج المصري :

ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى الثنية المعروفة بعقبة السويق لسليم ومن الثنية على خليص إلى الثنية المشرفة على عسفان إلى الفج المسمى المحاطب لبني جابر . (صبح الأعشى ج4-ص490)

فهذا الخبر على فرض أنه غير ناقل من ابن فضل الله يفيد عزل الأشراف عن ولاية خليص في بداية القرن التاسع وتسليمها لبني جابر . 

ثم جاء مؤرخ مصر المقريزي (ت845) وأورد خبرين :

الأول : وصف طريق الحاج المصري في كتابه البيان والإعراب عما بإرض مصر من الأعراب ويظهر أنه ناقل من ابن فضل الله لذلك سأعرض عنه .

الثاني : خبر يتعلق بقبيلة بشر (البشور) .

يقول المقريزي :

وفي ليلة الأربعاء ثالث عشر (اي من رجب سنة 839) بعث الشريف زين الدين ابو زهير بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة بعثا لمحاربة بشر من بطون حرب إحدى قبائل مذحج ومنازلهم حول عسفان نزلوها من نحو 816 هجرية وقد أخرجهم بنو لام من أعمال المدينة فكثر عبثهم وأخذهم السابلة من المارة إلى مكة بالميرة وجعل على هذا البعث أخاه الشريف علي بن حسن بن عجلان ومعه من بني حسن الشريف ميلب بن علي بن مبارك بن رميثة وغيره والوزير شكر في عدة من الناس وسار معهم الأمير أرنبغا أمير الخمسين المركزين بمكة من الممماليك السلطانية وصحبته منهم عشرون مملوكا فنزلوا عسفان يوم الخميس رابع عشرة وقطعوا الثنية التي تعرف اليوم بمدرج علي ……إلخ (السلوك ج7-ص307)

فهذا الخبر ظاهر الدلالة على أن قبيلة البشور أول ما نزلت عام 816 في خليص وغران والدليل على ذلك :

1- أن الشريف علي بن حسن بن عجلان حينما ذهب لمحاربتهم نزل عسفان قبل أن يحاربهم ولو كانت قبيلة بشر تنزل بعسفان لبدأ بمحاربتهم .

2- أن المؤرخ يذكر عن جيش الشريف علي أنه قطع الثنية ( اي ثنية غزال ) متوجها لهم بمعنى أنه دخل وادي غران .

والذي يزيد الأمر وضوحا ويؤكد ما ذكرته بالأعلى هو ما ذكره المؤرخ الجزيري (ت976) في القرن العاشر الهجري حينما وصف حدود درك زبيد اليمن من حرب وكيف حدث التوسع فيه .

بقول الجزيري :

وكان الدرك قديما مقسما بين جماعات بمعاليم معلومة منهم البشريون العصيفيون وبنو سليم فاستولت أولاد رومي على الدرك جميعه . (الدرر الفرائد ج2-ص1447)

فدرك قبيلة زبيد ينتهي عند الجحفة كما ذكر ابن فضل الله والقلقشندي ثم يبدأ درك سليم ويحوي وادي كليه وقديد ثم درك قبيلة بشر ويحوي خليص وغران ولما صاهر الشريف محمد بن بركات والي الحجاز الشيخ مالك بن رومي الزبيدي شيخ زبيد اليمن من حرب عزل سليم وبشر عن دركهم وأعطاه لقبيلة زبيد وقد نستطيع أن نستنتج هذا مما ذكره المؤرخ ابن فهد القرشي حينما تكلم عن غزو الشريف محمد بن بركات والي الحجاز لقبيلة زبيد بالقرب من رابغ سنة 873 هجرية .

يقول ابن فهد (ت885) :

وفيها (اي سنة 873) كانت قتلة بين الشريف محمد بن بركات وزبيد ذوي مالك بالقرب من رابغ فكان الظفر في ذلك للسيد الشريف مع أنه كان في قلة من أصحابه وقتل من زبيد نحو سبعين رجلا منهم رومي وفروا هاربين فغنم منهم أموالا كثيرة يقال أنها ثلاثة آلاف بعير وغير ذلك ……. إلى أن قال :

ثم إن الشريف صالحهم بعد ذلك في سنته وأعطاهم مالا . ( اتحاف الورى ج4-ص493)

وأي مال أعظم من خليص وعيونها في ذلك الوقت وكذلك الزيادة في المخصصات على الدرك لحماية طريق الحاج !!!

وكذلك بعد هذه المصالحة ذكروا في خليص وما حولها في كتب تواريخ مكة المكرمة شرفها الله فليرجع إليها من أراد الإستزادة .

وقبل أن اختم هنا سأعرض استنتاجات الدكتور مبارك المعبدي حول تاريخ نزول قبيلة زبيد في خليص وما حولها .

يقول الدكتور مبارك المعبدي في كتابه مقتطفات من تاريخ خليص (ط1-1407-ص27) :

من الثابت أن ابن عسم سكن خليص قبل عام 195 هجرية .

ولما استدرك عليه الدكتور فايز البدراني في مقال نشر له في جريدة عكاظ (عدد9893-تاريخ17/3/1414) وأوضح وهم الدكتور مبارك المعبدي في ماذهب إليه تراجع الدكتور مبارك المعبدي عن رأيه وذلك في كتابه الذي صدر عام 1417 هجرية تحت مسمى مشيخة العسوم .

يقول الدكتور مبارك المعبدي (ص9) :

من الثابت أن آل رومي ابن عسم سكن خليص بداية القرن الثامن الهجري .

وكان يجب على الدكتور مبارك عدة أمور خاصة وأنه أكاديمي وعارف بمناهج البحث العلمي :

1- أن يذكر أنه أخطأ في أستنتاجه السابق الذي قال فيه قبل عام 195هجرية .

2- أن يبين السبب الذي جعله يعدل عن رأيه هل هو استدراك البدراني أم غيره ؟

3- أن يوضح مصدره الذي اعتمد عليه في نزول ابن عسم بداية القرن الثامن الهجري .

4- أن يتعهد بتصحيح الخطأ في الطبعات القادمة حتى لا يغرر القراء خاصة وأنه دائما ما يحيل على كتابه ذلك .

وأخيرا فإن الدكتور مبارك المعبدي حتى بعد استنتاجه الأخير لم يوفق للصواب في نزول قبيلة زبيد لأن الصواب في تاريخ نزولهم هو سنة 873 هجرية كما ذكرناه بالأعلى أي أواخر القرن التاسع الهجري وكذلك الصحيح أن يقال نزول قبيلة زبيد اليمن وليس ابن عسم ومن يقول أن مالك بن رومي الزبيدي جد العسوم أو من العسوم فعليه ان يأتي بالدليل والله أعلم .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين

كتبه // فهد بن محمد بن معيوف الصحفي

المشرف على مركز غران للدراسات والنشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *